نلاحظ أن غالبية القديسين قد فضلوا الصمت، واضعين أمامهم قول الحكيم: "كثرة الكلام لا تخلو من معصية". وفى ذلك قال القديس أرسانيوس -معلم أولاد الملوك- عبارته المشهورة:
"كثيراً ما تكلمت فندمت.. وأما عن سكوتي، فما ندمت قط".
و من أجل هذا صلى داود النبي قائلاً: "ضع يا رب حافظاً لفمي، باباً حصيناً لشفتي".. وقال الوحي الإلهي: "الاستماع أفضل من التكلم".و ما أكثر ما تحدثت الكتب الروحية عن: "فضيلة الصمت" ودعت إليها، لكيما يتخلص بها الإنسان من أخطاء الإنسان من أخطاء اللسان وهى عديدة..
منها الكذب والمبالغة، وكلام الرياء والتملق والنفاق. ومنها التهكم، والكلام الجارح، والسب واللعن والإساءة إلى الآخرين، والتحدث بالباطل في سيرة الناس. ومنها الافتخار بالنفس والتباهى ومدح الذات . ومنها الكلام البذئ، والقصص والفكاهات الخليعة، وكلام المجون. ومنها أخطاء اللسان أيضاً: التجديف، وكلام الكفر، والتذمر على الله. ومنها التعليم الخاطئ، والضلالة والبدع.
ومن أخطاء اللسان أيضاً الثرثرة. لأن الله لم يخلق اللسان فينا لكي يتكلم عبثاً بلا فائدة. لكل هذا فضل القديسون الصمت..
ليس فقط، لكي يبعدوا عن أخطاء اللسان، إنما أيضاً لكي يتيح لهم الصمت فترة للصلاة والتأمل.
د قال داود النبى في المزمور: "فاض قلبى بكلام صالح". إذن هناك كلام نافع ومفيد، وذلك حينما نتكلم بالصالحات.
إن الصمت حالة سلبية، بينما الكلام حالة إيجابية.
و إنما يدرب الناس أنفسهم على الصمت، حتى يتدربوا على الكلام النافع. الصمت إذن هو وضع وقائى يحمينا إن كنا نتكلم بدافع بشرى.
أما إن كان الله هو الذي يفتح شفاهنا، وهو الذي يضع كلاماً في أفواهنا، فحينئذ يكون كلامنا –لا صمتنا– هو العمل الفاضل.
كان السيد المسيح يتكلم، والناس "يتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه". والشهيد اسطفانوس تكلم فأفحم المجامع الخاطئة " ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به". وقد قال سليمان الحكيم: "فم الصديق ينبوع حياة".
وقد كان حكماء العالم يجوبون البر والبحر، لكي يسمعوا كلمة منفعة من المتوحدين والنساك في برارى مصر وقفارها..
كلام المنفعة هذا، هو كلام من الله يضعه في أفوه أحبائه، ليبلغوه للآخرين، هادئاً كان أم شديداً



